المنبر الحسيني ومسؤولية صناعة الوعي.2


لم تكن نهضة الإمام الحسين عليه السلام مجرد مواجهة بين قوة عسكرية وسلطة سياسية، وإنما كانت مواجهة مع مشروع لإعادة تشكيل وعي الأمة وتحديد علاقتها بالسلطة والشرعية والحق. فقد كان الخطر الذي واجهته الأمة أعمق من استبداد الحاكم؛ إذ إن الاستبداد يصبح أكثر قدرة على الاستمرار عندما ينجح في تحويل القوة إلى شرعية، والخضوع إلى طاعة، والسكوت عن الانحراف إلى حكمة، ويعيد إنتاج الواقع السياسي في وعي الناس حتى يصبح تغييره أمرًا مستحيلًا. ومن هنا فإن كربلاء تكشف حقيقة جوهرية: أن المعركة على الإنسان تبدأ من وعيه قبل أن تبدأ على الأرض، وأن أخطر انتصار للسلطة هو أن تجعل المجتمع يتبنى الرواية التي تبرر سلطتها.

وعلى هذا الأساس لا ينبغي أن تبقى كربلاء حدثًا تاريخيًا نستعيد تفاصيله أو مجرد مناسبة عاطفية نجدد فيها الحزن، بل ينبغي أن تتحول إلى منهج في قراءة الواقع السياسي. وهنا تتحدد المسؤولية الفكرية للمنبر الحسيني؛ فوظيفته ليست أن يخبر الناس فقط بما حدث، وإنما أن يجعلهم قادرين على فهم ما الذي حدث، وكيف تشكلت ظروفه، ومن امتلك القرار، وما القوى والمصالح التي أسهمت في إنتاجه، وكيف استطاعت السلطة أن تقدم روايتها باعتبارها حقيقة، وكيف يمكن للإنسان أن يحافظ على استقلال وعيه عندما يصبح الضغط السياسي والاجتماعي كبيرًا.

فالوعي السياسي ليس معرفة الأخبار ولا امتلاك مواقف جاهزة، وإنما هو قدرة على بناء تصور صحيح للواقع، وربط الأحداث بسياقاتها، وفهم القوى المؤثرة فيها، والتمييز بين الحقيقة وتفسيرها، وبين المعلومة والدعاية، وبين الخطاب السياسي المعلن والمصالح التي قد تقف خلفه، ثم تقدير المآلات قبل إصدار الحكم. ولذلك فإن الوعي السياسي يمثل أحد أوجه فقه الواقع؛ لأن الخطأ في فهم الواقع قد يقود إلى موقف خاطئ مهما كانت النية صادقة.

ومن هنا ينبغي أن ينتقل المنبر من تلقين الموقف إلى صناعة العقل الذي ينتج الموقف. ويمكن أن تقدم كربلاء نفسها نموذجًا لهذا النوع من التفكير. فموقف الحر بن يزيد الرياحي يفتح بابًا عميقًا لفهم العلاقة بين القرار السياسي والضمير الإنساني. فالحر جاء في إطار قوة عسكرية مكلفة بمحاصرة الإمام الحسين عليه السلام، وبقرار سياسي صادر عن السلطة، ومع ذلك صلى خلف الإمام الحسين عليه السلام. وهنا لا يكمن السؤال في الصلاة بوصفها فعلًا تعبديًا فقط، وإنما في الدلالة السياسية والإنسانية للمشهد: كيف يستطيع الإنسان أن يكون جزءًا من منظومة تنفذ قرار السلطة، وفي الوقت نفسه يحتفظ بمساحة داخلية لا تكون السلطة قد أحكمت السيطرة عليها؟ .

ومن هنا يمكن للمنبر أن يحول موقف الحر إلى درس في استقلال الضمير السياسي: هل تنفيذ القرار يعني بالضرورة الإيمان بشرعيته؟ وهل الانتماء إلى مؤسسة سياسية يعني تبني كل قراراتها؟ ومن الذي يحدد الشرعية عندما يقف قرار السلطة في مواجهة قناعة الإنسان الدينية والأخلاقية؟ إن أهمية موقف الحر أنه يكشف أن السلطة تستطيع أن تفرض السلوك، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تضمن إعادة تشكيل الضمير بالكامل. وقد بقي داخل الحر ذلك الجزء الذي استطاع أن يعيد قراءة المشهد، وأن ينتقل من موقع المنفذ إلى موقع صاحب القرار .

وهنا تكمن وظيفة المنبر؛ أن يدفع المتلقي إلى التفكير في الحدث بدل الاكتفاء بتكرار روايته. فالخطيب لا ينبغي أن يقول للناس فقط ماذا يفكرون، بل أن يدربهم على السؤال: من صاحب القرار؟ ما مصدر شرعيته؟ ما القوى التي تحركه؟ ما المصالح التي تقف وراءه؟ كيف صيغت الرواية السياسية حوله؟ ماذا ظهر للناس وماذا غاب عنهم؟ وما النتائج التي يمكن أن تترتب عليه؟ فالوعي يبدأ عندما يتحول المتلقي من مستهلك للرواية إلى ناقد لها.

وتزداد هذه المهمة أهمية في عصر الإعلام الرقمي؛ إذ أصبحت معركة السياسة في جانب كبير منها معركة على الوعي. ولم يعد التضليل قائمًا على اختلاق الكذب فقط، وإنما قد يتحقق من خلال الاجتزاء، وانتقاء المعلومات، وإعادة ترتيب الوقائع، وتكرار رواية واحدة حتى تبدو حقيقة مكتملة. وقد تكون الصورة صحيحة، لكن استخدامها خارج سياقها ينتج معنى مضللًا، وقد يكون الخبر صحيحًا، لكن طريقة عرضه توجه المتلقي إلى نتيجة محددة. ومن هنا يصبح الوعي السياسي مناعة فكرية تمكن الإنسان من فحص المصدر، ومقارنة الروايات، والتمييز بين الخبر والتحليل، وعدم تحويل كثرة التداول إلى معيار للحقيقة.

وهذا يقتضي أن يمتلك المنبر ثقافة سياسية تتجاوز التعليق على الأحداث إلى امتلاك أدوات تحليلها. ويمكن الاستفادة في ذلك من ابن خلدون في فهم علاقة السياسة بالقوة والعمران والدولة، ومن هانز مورغنثاو في إدراك أثر القوة والمصلحة في سلوك الدول، ومن باولو فريري في بناء الوعي النقدي الذي ينقل الإنسان من مجرد استقبال الواقع إلى القدرة على قراءته ونقده. وليس الهدف تحويل المنبر إلى مؤسسة أكاديمية متخصصة، وإنما منحه الأدوات التي تساعده على الجمع بين فهم الواقع والحكم عليه بالقيم.

فالمنبر الحسيني لا يحتاج إلى واقعية سياسية تفقده مبادئه، ولا إلى خطاب مثالي يعجز عن فهم حركة القوة والمصالح؛ وإنما يحتاج إلى وعي يجمع بين الاثنين: أن يفهم القوة  من دون أن يقدسها، ويدرك المصلحة من دون أن يبررها، ويقرأ الواقع كما هو من دون أن يستسلم له. وهذه هي الواقعية التي يمكن أن تستفيد منها الرسالة الحسينية: واقعية في التشخيص، ومبدئية في الموقف.

ومن هنا ترتبط صناعة الوعي السياسي بمسألة أخرى هي الاستقلال في التفكير. فالتبعية لا تبدأ عندما يتلقى الإنسان أمرًا مباشرًا، وإنما تبدأ عندما يفقد القدرة على تفسير واقعه بنفسه. والمجتمع الذي لا ينتج تحليله السياسي يتحول إلى مستهلك لتحليلات الآخرين، مهما كان مستوى تعليمه. لذلك فإن المنبر الحسيني مطالب ببناء عقل يستطيع الاستماع إلى مختلف الرؤى والاستفادة منها، لكنه لا يتحول إلى تابع لها؛ عقل يقارن ويحلل ويفحص، ثم يبني موقفه وفق المعرفة والقيم.

وهذا هو المعنى الأعمق للوعي الذي يمكن أن نستخلصه من أصحاب الإمام الحسين عليه السلام؛ فقد كانوا أمام واقع سياسي ضاغط، ومع ذلك لم تتحول مواقفهم إلى مجرد انفعال، وإنما اقترنت الشجاعة بالوعي، والثبات بالبصيرة، والإيمان بالمسؤولية. فالوعي الحقيقي لا يقاس بارتفاع الصوت، وإنما بقدرة الإنسان على فهم الموقف، وإدراك كلفته، ثم اتخاذ القرار وتحمل نتائجه.

وعليه، فإن المنبر الحسيني في عصرنا بحاجة إلى الانتقال من إحياء الحدث إلى إحياء الوعي الذي أنتجه الحدث؛ من حفظ الذاكرة إلى صناعة البصيرة، ومن تقديم الإجابات الجاهزة إلى بناء القدرة على السؤال، ومن صناعة المتلقي إلى صناعة الإنسان القادر على التفكير المستقل.

إن السؤال الذي ينبغي أن يحكم الخطاب الحسيني اليوم ليس فقط: ماذا حدث في كربلاء؟ وإنما: ماذا صنعت كربلاء في الإنسان؟ هل جعلته يصدق كل رواية أم يفحصها؟ هل جعلته ينفعل أمام الحدث أم يفهمه؟ هل جعلته تابعًا لتحليلات الآخرين أم قادرًا على إنتاج تحليله؟ وهل منحته الشجاعة وحدها أم جمع له الشجاعة والبصيرة؟.

إن المنبر الذي ينجح في الإجابة عن هذه الأسئلة يستعيد وظيفته الحضارية؛ لأنه يجعل من كربلاء منهجًا لإنتاج الوعي السياسي، ويصنع إنسانًا يفهم الواقع قبل أن يحكم عليه، ويتثبت قبل أن يصدق، ويفكر قبل أن يتلقى، ويحلل قبل أن ينفعل، ويقرأ القوة  مط دون أن يستسلم لها، ويتمسك بالقيم من دون أن يفقد واقعيته..

وبذلك تصبح كربلاء أكثر من ذاكرة؛ تصبح طريقة في النظر إلى العالم، ويصبح المنبر الحسيني أكثر من ناقل للتاريخ؛ يصبح مؤسسة لصناعة العقل السياسي المسؤول: عقلًا لا يعيش السياسة برد الفعل، ولا يستعير وعيه من الآخرين، ولا تسمح له الدعاية باختطاف بصيرته، وإنما يقرأ الواقع بعقل، ويحاكمه بالقيم، ويتعامل مع تعقيداته ومآلاته بوعي وإيمان ومسؤولية.


محتويات مشابهة
تابعنا على
الوقت الآن
الأربعاء 2026/9/2 توقيت مسقط
ابقى على تواصل
تصميم وتطوير