قراءة في فكر الإمام علي في وصف زمان الجور. 5


نّ حديثي في هذا الجزء من البحث سيتمحور حول آلية الموروث الديني التي يستخدمها الشيطان للسيطرة على المجتمعات والتلاعب بعقول الناس باسم الدين . نحن نظرياً نستمد تعريف الدين من الدين  نفسه ، ولكننا نغفل عن أن هذا التعريف بحاجة إلى تعريف نفسه، وهذا التعريف  يفسر دائماً  ضمن الرؤية اللاهوتية سلفاً، وأعني بذلك أن  مصدر تعريف الدين الذي ستقدمه من الدين نفسه ليس مصدره الدين، بل مصدره التدين . 

الأديان السماوية الثلاثة بطبيعتها الذاتية لا تفرز التعريفات الثلاثة، بل إن عدداً من التعريفات يزيد على عدد المذاهب والفرق، بمعنى أن الكيانات الفردية التي تنتسب إلى هذه الديانات لا تقدم التعريف من خارج الدين، حيث يتم التعامل معها كظاهرة واقعية  قابلة للتوصيف، وهذه المحاولة تنصب على مظاهر البنية الخارجية التي يمكن وصفها، ولكنها تعجز بسبب منهجيتها عن الدخول إلى قلب الظاهرة حيث يكمن موضوعها في الجانب الغيبي العصيّ على التوصيف ، وبالتالي يقدم تعريف التدين أكثر منه تعريفاً للدين .

 لست هنا في معرض  تقديم تعريفات جامعة حول الدين، بل جلّ ما يهمني في جميع الأحوال هو النظر إلى كيفية صقل التدين ليكون هوية الذات الإنسانية  وهي البوابة التي دخل منها الشيطان للهيمنة والسيطرة على ذات الإنسان ، ولكن كيف ؟ 

بطبيعة الحال لا أستطيع شرح  كيفية سيطرة الشيطان على ذات الإنسان من دون معرفة ما هو الدين ؟ وما هو التدين ؟ في الواقع إن التصور السائد عند الناس أن الدين قائم بذاته كحقيقة أزلية بمعزل عن الإنسان ، بينما التدين هو التعبير عن الدين سلوكاً وتاريخاً وإيماناً ، إذاً هناك تميز بين ما هو حقيقة مطلقة وبين ما هو نسبي وتاريخي في الدين ، بعبارة أخرى لا يمكن التحدث  عن جوهر الدين من دون أن يكون هناك حديث أو تعبير عن الإيمان، فأين إذاً تكمن المشكلة ؟ 

 المشكلة تكمن في غياب الوعي، فعندما نفصل الدين عن التدين، فالإنسان المؤمن لا يستطيع بلوغ حقيقة الدين  إلا  عبر الإيمان أي  عبر التدين ، فالإيمان  هو التجربة الواقعية المحسوسة التي  يختبر الإنسان من خلالها الدين ، لأن الإنسان هو الذات التي تتدين وتتصل بالدين بالحدس  وبالنص   كمعرفة الله والأخلاق ، وهذا بدوره يتم على المستويين الفردي والجماعي بشكل تفاعلي مركب ، فالذات الفردية لديها حساسية تفرد للمطلق الديني، ولكن عندما تتعامل مع النص فإن النص يتلون  بلون مداركها التي تتأثر تلقائياً بالضغوط الاجتماعية  لأنه خاضع  لضرورات التعدد والتطور،  أي إن ملامسة الفرد للنص ناجم عن إدراك ذاته والتعبير عنه وهو خارج عن الذات ، لهذا لا يمكن النظر إلى الدين والتدين كمفهومين مستقلين عن بعضهما البعض، من هنا نفهم أن الدين لا يمكن أن ينظر إليه من خارج الإيمان وهو التدين.

من هنا دخل الشيطان على الخط، فطرح فكرة فصل الدين عن الدولة ، فصل الدين عن التدين،  وفصل الذات عن النص، وزعم أن الدين علاقة بين العبد وربه فحسب، أما علاقات الناس  ونظام المجتمع ومشكلاته الاجتماعية والمالية والسياسية فلا شأن للدين فيها ولا شأن لها بالدين ووصل إلى إقناع الناس بأن تقدمهم وتطورهم الناشئ في مجتمعاتهم ودولهم  لم يكن إلا عندما جعلوا الدين طقساً وتركوا الممارسة الحياتية لأهلها .

 بدأ الشيطان يتلاعب بالعقول ويزرع التشكيك في القيم الروحية التي تقوم عليها أسس كياننا ووجودنا  ليبرز الوجه الملائكي لنا، هذا الوجه الذي يحمل قلباً نقياً  حتى إذا تزعزع إيماننا بصلاحية الدين ولم تعد نفحاته الروحانية تستولي على مشاعرنا وأنظمته غُزينا بفكرة أخرى من نوع جديد أخطر من سابقتها . وهذا يوضح لنا مدى خطورة هذه الهيمنة على عقول الناس فكرياً  وخطورة تغيير هويتها، لأن هذه الأداة هي الأداة الوحيد لبقاء الشيطان ، فالبراءة المصطنعة هي حيلة المتلاعب للهروب من المحاسبة بعد ارتكاب الكارثة .

  يلجأ الشيطان إلى  استخدام السيطرة  وهي من أقدم الحيل  التي تساعده في زرع الفتنة وتقسيم المجتمع إلى فئات متناحرة فيما بينها ليصبح هو المستشار والملجأ الوحيد، فهو يتغذى على الفوضى التي يخلقها ويستمتع بضعفك، لهذا تجد ما أن يضع الشيطان قدمه في بلد ما إلا وتلتحق به البعثات الدينية والإرساليات التبشيرية التي تقوم بنشر أفكار السلطة الحاكمة، وكما قيل فإن وزارة الخارجية والكنيسة يسيران جنباً إلى جنب في توطيد مكانها  وإقناع العامة بشرعيتها.

 أنت انظر إلى تاريخ بني أمية وإن قلت الأبحاث الاجتماعية في دراسة عقلية خلفاء بني أمية سوسيولوجياً  كوجوب طاعة ولي الأمر الظالم، وإعطاء القداسة المطلقة للحاكم بحجة أن الله عزّ وجلّ هو من آتاه هذا الملك وأوجب طاعته حتى لو كان يزني ويلوط ويمارس الموبقات علناً، ولا تزال  هذه الفكرة رائجة في المجتمعات الإسلامية تحديداً  حتى ولو صام دهراً بأكمله واعتكف في المساجد لأن الحاكم لم يعتل سدّة الحكم لتصلي أو لتصوم بل ليتأمر عليك هذا كان منطق خلفاء بني أمية. 

نجح الشيطان في تثبيت بقائه في المجتمع  وأنت إذا أردت  أن ترى هذا النجاح انظر إلى الموروث الديني عندك وممارسات هذا الموروث الذي يتحرك ضمن النصوص الخارجة عن النص التأسيسي للدين لماذا ؟ لأن النص بدأ يتلون بألوان الذات المدركة بضرورة التعامل معها ليصبح هذا النص كأداة إكراه اجتماعي وإن خالفته فأنت خارج عن ولاية النص التأسيسي وتصبح  بالتالي عدوّاً للمرجعية الدينية التي نصبت من جهة مقدسة ليأخذ هذا الموروث طابع حرية ممارسة هذا الطقس أو ذاك. 

إن أخطر فخ يستنزف الشيطان فيه طاقتك هو افتعال نقاشات طويلة وعقيمة في أوقات الذروة عندك ليحرمك من الهدوء، والهدف هو الإرهاق الفكري حيث توافق على كل شيء كما هو الحال في الموروث الديني، فكم وكم من الموروثات الدينية الدخيلة تضيع فيها وقتك لإقناع الطرف المقابل بعدم صحة هذا الطقس أو ذاك ، وفي النهاية تستسلم  لمقولة الكل يرجع إلى مرجعيته الدينية ، هنا يصبح المشهد مضحكاً  وفي الوقت نفسه مبكياً، فالداعي إلى التمسك بأصل النص التأسيسي هو نفسه يمارس أجندة شيطانية من دون قصد وعن غفلة بأنه وقع في فخ  الشيطان الذي يجري مجرى الدم في عروقه . والحمد لله ربّ العالمين


محتويات مشابهة
تابعنا على
الوقت الآن
الأحد 2026/3/8 توقيت مسقط
ابقى على تواصل
تصميم وتطوير