
لا تتمثل الوظيفة الفكرية للمنبر الحسيني في إعادة سرد واقعة كربلاء بقدر ما تتمثل في تحويلها من حدث تاريخي إلى منظومة وعي قادرة على تفسير الواقع وتكوين الإنسان المسؤول. ومن هنا تنطلق هذه الأطروحة: إن الوعي السياسي في الخطابة المنبرية الحسينية ليس إضافةً خارجية إلى الخطاب الديني، ولا انحيازًا إلى العمل الحزبي أو الصراع السياسي المباشر، وإنما هو جزء من الوعي الديني حين يتصل الدين بقضايا الإنسان والعدل والسلطة والمسؤولية الاجتماعية. فالمنبر الذي يستحضر كربلاء من دون أن يساعد المتلقي على فهم واقعه، وآليات تشكل الرأي العام، ومصادر التضليل، وطبيعة السلطة، وحدود مسؤولية الفرد، يبقى أسير الذاكرة، بينما المنبر الذي يحول الذاكرة إلى معرفة، والمعرفة إلى وعي، والوعي إلى مسؤولية، يستطيع أن يجعل من كربلاء مشروعًا حيًا في بناء الإنسان والمجتمع.
وتكمن أهمية هذه الرؤية في أن كربلاء نفسها لم تكن حادثة منفصلة عن أسئلة الدين والمجتمع والسياسة، بل مثلت لحظة مركبة اجتمعت فيها أسئلة الشرعية، والسلطة، والأخلاق، والمسؤولية الفردية، وموقف المجتمع من التحولات الكبرى. ولذلك فإن استعادة كربلاء لا ينبغي أن تتوقف عند المأساة بوصفها مادة وجدانية، وإنما ينبغي أن تستعيد الأسئلة التي صنعت المأساة: كيف تتغير معايير الحق؟ كيف يتحول الخوف إلى صمت؟ كيف يمكن للسلطة أن تؤثر في الوعي العام؟ وما طبيعة مسؤولية الإنسان عندما تصبح الحقيقة أكثر كلفة من السكوت؟ هذه الأسئلة هي المدخل الحقيقي لفهم العلاقة بين المنبر الحسيني والوعي السياسي.
ومن هذا المنظور يمكن فهم مشروع مرتضى مطهري في حماسهم حسيني؛ إذ لم يتعامل مع عاشوراء باعتبارها مادة عاطفية فقط، بل انشغل بتصحيح المعرفة الدينية والتاريخية ومحاربة ما يراه من تحريفات أضعفت قدرة المجتمع على فهم الرسالة الحسينية. وهنا تتأسس الحلقة الأولى في بناء الوعي: لا وعي سياسي من دون وعي معرفي. فالمتلقي الذي يتلقى التاريخ بصورة انتقائية أو أسطورية أو غير دقيقة يصعب أن يمتلك القدرة على تحليل واقعه؛ لأن الخلل في قراءة الماضي ينعكس غالبًا على طريقة فهم الحاضر.
وإذا كان مطهري قد ركز على تصحيح المعرفة، فإن علي شريعتي، في الحسين وارث آدم، نقل كربلاء إلى مستوى أوسع من خلال قراءتها ضمن الصراع التاريخي بين قيم التحرر والعدالة من جهة، ومنظومات القهر والاستعباد من جهة أخرى. وبذلك تصبح شخصية الإمام الحسين نموذجًا للإنسان الذي يرفض أن يتحول التاريخ إلى قدر مفروض، ويؤكد قدرة الإنسان على اتخاذ موقف أخلاقي في اللحظة التي تتطلب منه المسؤولية. ويكمل شريعتي بذلك ما بدأه مطهري: فالمعرفة الصحيحة لا تكون غايتها جمع المعلومات، وإنما إنتاج إنسان قادر على اتخاذ موقف واعٍ منها.
أما الإمام الخميني فقد منح هذه الذاكرة بعدها المجتمعي والسياسي العملي، حين أكد على أهمية محرم وصفر والمجالس الحسينية في إبقاء الإسلام حاضرًا في وجدان المجتمع، وربط الخطاب المنبري بقضايا الناس وظروفهم السياسية والاجتماعية. وبهذا انتقل المنبر من مجرد فضاء لاستحضار الماضي إلى فضاء للتفاعل مع الحاضر؛ فالمجتمع لا يحتاج إلى معرفة ما حدث في كربلاء فقط، بل يحتاج إلى فهم ما الذي يمكن أن تعنيه قيمها في حياته الراهنة. ومن هنا يصبح المنبر وسيلة لصناعة الوعي الجمعي، لا مجرد أداة لنقل الذاكرة.
ويأتي مشروع الإمام موسى الصدر ليضيف إلى هذه الرؤية بعدًا اجتماعيًا واضحًا؛ إذ قرأ الحسين بوصفه إمامًا للإصلاح، وربط عاشوراء بقضايا التعليم، والفئات المحرومة، والمرأة، والشأن الوطني والاجتماعي. وفي هذا السياق تتكامل الأفكار السابقة: فمطهري يؤكد على ضرورة تصحيح الوعي، وشريعتي يحول الوعي إلى مسؤولية تاريخية، والخميني يربطه بالمجتمع وقضاياه العامة، وموسى الصدر يوسعه ليصبح مشروعًا للإصلاح الاجتماعي. وبذلك لا يعود الوعي السياسي فكرة مستقلة عن المنبر، وإنما يصبح نتيجة طبيعية لخطاب ديني يفهم الإنسان في سياقه التاريخي والاجتماعي.
ومن المفيد هنا الاستفادة من عبد الرحمن الكواكبي، ولا سيما في طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد وأم القرى، لفهم البيئة التي يمكن أن تتشكل فيها الأزمات السياسية والفكرية. فقيمة الكواكبي في هذا السياق لا تتمثل في تقديم تفسير مباشر لكربلاء، وإنما في توفير إطار نظري لفهم العلاقة بين السلطة والمعرفة والخوف والأخلاق والتعليم والمجتمع. فحين يضعف العلم، ويتراجع النقد، ويتحول الخوف إلى سلوك اجتماعي، يصبح المجتمع أكثر قابلية لقبول الأفكار الجاهزة. ولذلك فإن مواجهة هذه الحالة لا تبدأ دائمًا من السياسة المباشرة، بل تبدأ من تحرير العقل وإعادة بناء القدرة على السؤال.
ويقترب الشيخ أحمد بن حمد الخليلي من هذه المسألة من زاوية أخرى، في كتابه "الإستبداد" حين يناقش في حديثه عن الاستبداد أثر السلطة في تشكيل الوعي الديني والسياسي، وكيف يمكن أن تتأثر بعض التصورات الدينية بالظروف السياسية والتاريخية. وتكمن أهمية هذا الطرح بالنسبة للمنبر الحسيني في التأكيد على أن الخطاب الديني لا يعيش خارج التاريخ؛ فهو يمكن أن يكون مجالًا لتوسيع الوعي، كما يمكن، إذا فقد استقلاله النقدي، أن يتحول إلى إعادة إنتاج لبعض التصورات السائدة. ومن هنا تأتي مسؤولية الخطيب في التمييز بين النص الديني، وقراءته التاريخية، وتوظيفه السياسي، وعدم تقديم التفسير الواحد باعتباره الحقيقة الوحيدة الممكنة.
وهذا يفتح المنبر الحسيني على التراث الإسلامي الأوسع؛ إذ إن التفكير في العلاقة بين السلطة والعلم والأخلاق والمجتمع لم يكن حكرًا على مدرسة واحدة. ويمكن الاستفادة، في هذا الإطار، من الجهود التي قدمها علماء ومفكرون مثل أبي الحسن الأشعري، وأبي حامد الغزالي، ومحيي الدين بن عربي، وابن كثير، وابن خلدون، كلٌّ في مجاله وسياقه، لفهم تطور الفكر الإسلامي حول السلطة والمجتمع والعمران والدين والتاريخ. وليس المقصود جمع هذه الأسماء في قراءة واحدة أو تحميلها تفسيرًا حسينيًا لم تقدمه، وإنما الاستفادة من تنوع التراث الإسلامي في بناء عقل منبري قادر على المقارنة والنقد وفهم تعدد زوايا النظر.
ولا يقتصر هذا الفهم على الفكر الشيعي أو الإسلامي الداخلي، فقد حظيت كربلاء باهتمام واسع في الدراسات الغربية في التاريخ والأديان والأنثروبولوجيا والأدب والثقافة السياسية. فقد تناول إدوارد غيبون كربلاء والحسين في كتابه The History of the Decline and Fall of the Roman Empire، واهتم إدوارد غرانفيل براون بأثر المأساة الحسينية في الثقافة والأدب الفارسي في كتابه A Literary History of Persia. وكتبت أنماري شيمل دراسة بعنوان Karbala and Imam Husayn in Persian and Indo-Muslim Literature، بينما درس بيتر تشيلكوفسكي في كتابه Ta'ziyeh: Ritual and Drama in Iran الأبعاد الدينية والفنية والاجتماعية والسياسية للتعزية وذاكرة كربلاء. كما تناول تورستن هيلين في كتابه The Karbala Story and Early Shi'ite Identity تطور قصة كربلاء في المصادر الإسلامية المبكرة وعلاقتها بتشكل الهوية الشيعية، فيما درس محمود أيوب في كتابه Redemptive Suffering in Islam الأبعاد التعبدية والوجدانية لعاشوراء في التشيع الاثني عشري.
وتكشف هذه الأعمال أن كربلاء لم تبق حادثة في القرن الأول الهجري، وإنما تحولت إلى ذاكرة اجتماعية وثقافية أنتجت الأدب والفن والطقوس والهوية والحركات الإصلاحية. ومن هنا فإن انفتاح المنبر الحسيني على الدراسات الغربية لا يعني التنازل عن خصوصيته الدينية، وإنما توسيع أفق البحث والمعرفة. كما ينبغي التعامل بحذر مع الأقوال الشائعة المنسوبة إلى بعض المفكرين الغربيين، لأن كثيرًا منها لا يثبت نصيًا في المصادر الأصلية، والخطاب الذي يريد صناعة الوعي لا ينبغي أن يستبدل روايات غير محققة بأخرى غير محققة.
فدراسة تورستن هيلين، مثلًا، تساعد على فهم تطور رواية كربلاء وعلاقتها بتشكل الهوية الشيعية المبكرة، بينما يوضح بيتر تشيلكوفسكي كيف تحولت طقوس التعزية إلى تعبير ثقافي وفني واجتماعي وسياسي. أما أناماري شميل فتتبع حضور الإمام الحسين وكربلاء في الأدب الفارسي والهندي الإسلامي، في حين يقدم محمود أيوب قراءة للبعد التعبدي والوجداني لعاشوراء. وهذه المقاربات المختلفة تقدم للمنبر درسًا مهمًا أن قوة كربلاء لا تكمن في بعدها الواحد، بل في قدرتها على إنتاج معانٍ متعددة عبر التاريخ.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من مفهوم «الخطيب الناقل» إلى مفهوم الخطيب الباحث فالخطيب المعاصر يحتاج إلى معرفة دينية راسخة، و يحتاج معها إلى أدوات في التاريخ، والسياسة، والاجتماع، والاقتصاد، والإعلام، وتحليل الخطاب. فالمتلقي يعيش اليوم في عالم تتداخل فيه القنوات الفضائية والمنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي والخوارزميات والصور والمقاطع القصيرة، وبات قادرًا خلال دقائق على الوصول إلى روايات متعددة للحدث الواحد. لذلك لم يعد كافيًا أن يقدم المنبر معلومة، بل ينبغي أن يعلم المتلقي كيف يتحقق منها، وكيف يميز بين الخبر والدعاية، وبين الرأي والحقيقة، وبين التحليل والتضليل.
وهنا يصبح الوعي السياسي مفهومًا أوسع بكثير من الانتماء الحزبي أو المشاركة في الصراع السياسي. إنه قدرة الإنسان على فهم مؤسسات الدولة، ومصالح القوى المختلفة، وطبيعة القرار السياسي، وآليات التأثير في الرأي العام، وعلاقة الاقتصاد بالسياسة، ودور الإعلام في تشكيل الصورة الذهنية. ولذلك فإن المنبر الحسيني يستطيع أن يسهم في بناء مواطن أكثر وعيًا، من دون أن يتحول إلى منبر حزبي أو أداة للدعاية السياسية. فوظيفته الأساسية هي بناء القدرة على التفكير والحكم الأخلاقي، لا تلقين الجمهور موقفًا سياسيًا جاهزًا.
وتتصل بذلك قضية شديدة الأهمية، هي العلاقة بين العاطفة والوعي. فالخطاب الحسيني لا يحتاج إلى التخلي عن البعد العاطفي لصالح خطاب عقلي جاف؛ لأن العاطفة جزء أصيل من التجربة الحسينية. لكن المطلوب هو أن تتحول العاطفة إلى سؤال، والسؤال إلى معرفة، والمعرفة إلى وعي، والوعي إلى مسؤولية. فعندما يبكي الإنسان على مظلومية الحسين ثم يسأل عن أسبابها، وعن الظروف التي أنتجتها، وعن مسؤولية المجتمع، وعن موقعه هو من الظلم والعدل، تتحول العاطفة من انفعال مؤقت إلى طاقة معرفية وأخلاقية.
ومن أهم مظاهر هذا الوعي أيضًا أن تكون القيم التي يدافع عنها المنبر غير انتقائية. فالعدل لا يصبح قيمة عندما يكون الظلم صادرًا عن الخصم فقط، والحرية لا تكون مبدأ عندما تخدم جماعتنا وحدها، والكرامة الإنسانية لا ينبغي أن تتغير قيمتها تبعًا للهوية السياسية أو المذهبية أو الاجتماعية للإنسان. وهذه المسألة تجعل الخطاب الحسيني أكثر اتساقًا مع جوهر رسالته؛ لأن كربلاء في بعدها الأخلاقي لا تمنح الإنسان رخصة لممارسة الظلم باسم الانتماء، وإنما تحمله مسؤولية تجاه الحق أينما كان.
إن التحدي الحقيقي أمام المنبر الحسيني اليوم ليس في المحافظة على الذاكرة، فهذه الذاكرة أثبتت قدرتها على البقاء، وإنما في تجديد قدرتها على إنتاج الوعي. فالمجتمعات الحديثة تواجه أشكالًا جديدة من التضليل والتعبئة والاستقطاب، ولم تعد صناعة الوعي تتم داخل المسجد أو الحسينية وحدهما، بل أصبحت تنافسها عشرات المنصات والمصادر والفضاءات الرقمية. ولذلك فإن المنبر الذي يريد أن يحافظ على تأثيره لا يستطيع أن يكتفي بتكرار اللغة ذاتها، بل يحتاج إلى تطوير أدواته مع الحفاظ على أصالته.
وبهذا المعنى يمكن النظر إلى المنبر الحسيني باعتباره مؤسسة معرفية وأخلاقية وثقافية قبل أن يكون مجرد منبر للخطابة. إنه يستطيع أن يعيد وصل الإنسان بتاريخه، ويمنحه أدوات لفهم حاضره، ويعلمه أن الإيمان ليس انفصالًا عن قضايا المجتمع، وأن التدين لا يلغي العقل، وأن العاطفة لا تعني غياب النقد، وأن استحضار كربلاء لا يكتمل بمجرد الحزن على ما وقع، بل يبدأ حين يتحول هذا الحزن إلى سؤال، والسؤال إلى معرفة، والمعرفة إلى وعي، والوعي إلى مسؤولية