
أولا.اكتبوا التاريخ
إنَّ أول بندٍ في وصية السيد الشهيد علي الخامنئي كان الدعوة إلى كتابة التاريخ، ولم يكن ذلك اهتمامًا بالماضي لذاته، أو انشغالًا بسرد الوقائع لمجرد حفظها، بل كان نابعًا من إدراكٍ عميق بأن التاريخ هو الذاكرة الحية للأمة، ومستودع هويتها، والمرجع الذي تستلهم منه دروس النهوض وأسباب السقوط. فمن يملك رواية التاريخ يملك جزءًا كبيرًا من تشكيل الوعي، ومن يفقدها يترك للآخرين حق تفسير ماضيه ورسم صورته في أذهان الأجيال.
ومن هنا جاءت هذه الوصية لتؤكد أن معركة الأمم لا تُحسم بالقوة العسكرية والسياسية وحدها، بل تُحسم أيضًا في ميدان الوعي والرواية. فالأمة التي لا تكتب تاريخها بأقلامها تترك المجال لغيرها كي يعيد صياغة أحداثها وفق مصالحه ورؤيته، فتُطمس التضحيات، وتُشوَّه الحقائق، ويُعاد تشكيل الذاكرة الجمعية لخدمة روايات أخرى.
لذلك فإن كتابة التاريخ ليست مجرد تسجيل للوقائع، بل هي دفاع عن الحقيقة، وصيانة للهوية، وحماية للذاكرة من التحريف والاختزال. وفي عصر الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي، حيث أصبحت صناعة الرواية أكثر تأثيرًا من صناعة الحدث نفسه، غدت مسؤولية كتابة التاريخ أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.
اكتبوا التاريخ بضمير العالم، وأمانة الشاهد، ودقة الباحث، وبصيرة المفكر؛ فتوثيق الحقيقة ليس عملًا ثقافيًا فحسب، بل هو مسؤولية حضارية تحفظ للأمة ذاكرتها، وتصون تضحياتها، وتورث الأجيال روايةً صادقةً عن ماضيها، حتى لا يكتب الآخرون تاريخها نيابةً عنها.