
إن تخصيص السيد الشهيد علي الخامنئي بندًا مستقلًا في وصيته يدعو فيه إلى إعانة الفقراء لم يكن توجيهًا أخلاقيًا عابرًا، بل يعكس رؤية حضارية تعتبر أن قوة المجتمعات لا تُبنى بتراكم الثروات، بل بقدرتها على صيانة كرامة الإنسان وتحقيق العدالة بين أفرادها. فالفقر ليس مجرد حالة اقتصادية، بل قد يتحول إلى أزمة اجتماعية وثقافية تهدد الاستقرار، وتضعف الانتماء، وتُحدث اختلالًا في منظومة القيم إذا تُرك المجتمع يواجهه بلا مسؤولية جماعية.
ومن هذا المنطلق، فإن إعانة الفقراء ليست فعل إحسان اختياري، وإنما مسؤولية حضارية تُجسد مبدأ التكافل الذي يقوم عليه البناء الإسلامي للمجتمع. فالمقصود ليس الاكتفاء بسد الحاجة الآنية، بل تمكين الإنسان من استعادة دوره المنتج، والمحافظة على كرامته، وإزالة الأسباب التي تُنتج الفقر والتهميش. فالمجتمع الذي يكتفي بتوزيع المساعدات من دون معالجة جذور المشكلة يؤجل الأزمة ولا يحلها، أما المجتمع الذي يستثمر في الإنسان بالتعليم والعمل والرعاية والتمكين، فإنه يصنع مجتمعًا أكثر استقرارًا وعدالة.
إن هذه الوصية تؤكد أن النهضة الحقيقية تبدأ من الإنسان، وأن أي مشروع حضاري يفقد قيمته إذا بقيت فيه فئات محرومة تعيش على هامش الحياة. ولذلك فإن رعاية الفقراء ليست خدمة لفئة معينة، بل هي حماية للمجتمع بأسره، لأنها تعزز الثقة بين أفراده، وترسخ روح المسؤولية المشتركة، وتمنع اتساع الفجوة بين الطبقات، وتُحوّل العدالة الاجتماعية من شعار إلى ممارسة يومية.
ومن هنا، فإن وصية «كونوا عونًا للفقراء» تمثل دعوة إلى بناء مجتمع تسوده المودة والرحمه، يجعل من كرامة الإنسان محورًا للتنمية، ومن العدالة أساسًا للاستقرار، ومن التكافل ركيزةً للقوة والوحدة. فالأمم لا تُقاس بعظمة عمرانها أو وفرة مواردها، بل بمدى قدرتها على حماية الإنسان الضعيف وتأمين كل ما يحتاجه، وصناعة مجتمع يشعر فيه كل فرد بأنه شريك في الحقوق والواجبات، وأن كرامته مصونة مهما كانت ظروفه الاقتصادية.