المنبر الحسيني ومسؤولية صناعة الوعي.5


لم يعد الوعي الاجتماعي في المجتمعات الحديثة مجرد امتلاك المعرفة بطبيعة العلاقات بين الأفراد والجماعات، بل أصبح قدرة متكاملة على فهم الإنسان ومشاعره واحتياجاته وتوجهاته، والإحساس بالآخر والاهتمام بقضاياه، وقراءة اتجاهات المؤسسات الاجتماعية وأفرادها، وبناء العلاقات والشبكات، والنظر إلى المواقف من زوايا متعددة، مع احترام المعتقدات والخصوصيات الفكرية والإنسانية. فالوعي الاجتماعي في جوهره قدرة على فهم الذات والآخر والمجتمع، وتحويل المعرفة إلى سلوك وممارسة وموقف مسؤول.
.
ومن هذا المنطلق يمكن قراءة ما يطرحه الأستاذ محمد رمضان اللواتي حول ضرورة تحويل الخطاب المنبري الحسيني من النمط التقليدي إلى خطاب لا يقوم على التلقين، وإنما يتجه إلى صناعة الوعي. فصناعة الوعي ليست إغراق المتلقي بالمعلومات أو إعادة إنتاج المعارف بصورة متكررة، وإنما بناء إنسان قادر على الفهم والحوار والتفاعل واتخاذ الموقف المسؤول. ومن هنا يبرز سؤال وظيفة المنبر في العصر الحديث: هل يقتصر على نقل المعرفة الدينية واستعادة أحداث التاريخ، أم تمتد مسؤوليته إلى بناء إنسان يستطيع قراءة واقعه وفهم مجتمعه والمساهمة في إصلاحه؟.

هذا السؤال يضع المنبر الحسيني أمام تجربة واسعة في تاريخ الفكر الإنساني؛ فقد حاول مفكرون وعلماء من بيئات إسلامية وشرقية وغربية أن يفهموا العلاقة بين المعرفة والإنسان والمجتمع. والاستفادة من هذه التجارب لا تعني استنساخها، وإنما توظيف ما تقدمه من أدوات وأسئلة في تطوير الخطاب المنبري.

ففي التراث الإسلامي، قدم ابن خلدون في «المقدمة» نموذجًا مبكرًا في دراسة المجتمع والتاريخ؛ إذ تجاوز سرد الأحداث إلى البحث في القوانين والعلاقات التي تحكم العمران البشري، ونشوء الجماعات والدول وقوتها وتحولاتها. وتكمن أهمية هذه التجربة للمنبر في الانتقال من وصف الظواهر الاجتماعية إلى تحليل أسبابها وشروطها. فإذا تناول المنبر التفكك الأسري أو التعصب أو ضعف الثقة أو الصراعات الاجتماعية، فإن دوره لا يكتمل بإدانتها، بل بمحاولة فهم جذورها وآثارها وسبل التعامل معها.

وفي الفكر الشيعي الحديث، تمثل تجربة محمد باقر الصدر نموذجًا للانفتاح على أسئلة العصر ،  ففي كتابه فلسفتنا  ناقش التيارات الفلسفية الحديثة من منظور إسلامي، وفي  اقتصادنا  تناول  النظم الاقتصادية الحديثة وحاول تقديم تصور إسلامي للمشكلة الاقتصادية. وتكشف هذه الأعمال عن محاولة وصل المعرفة الدينية بالأسئلة الفكرية والاجتماعية التي يعيشها الإنسان المعاصر. ومن هنا يمكن للمنبر أن يستخلص مبدأ مهمًا: أن أصالة الرسالة لا تستلزم الجمود في أدوات التعبير، وأن المعرفة الدينية تصبح أكثر فاعلية عندما تصاغ بلغة تستوعب أسئلة الإنسان المعاصر وتربط الفكر بالواقع..

 أما علي شريعتي، فتقدم أعماله  مثل  الحسين وارث آدم والنباهة والإستحمار نموذجًا لمحاولة قراءة الدين والتاريخ من خلال قضايا الإنسان والوعي والمسؤولية. ومن هذه الزاوية تصبح كربلاء مجالًا لإنتاج الأسئلة لا مجرد استعادة الحدث؛ فالقيمة المنبرية لا تتمثل فقط في سرد ما جرى، وإنما في استحضار دلالاته في مواجهة قضايا الحاضر، كالعدالة والحرية والكرامة والإصلاح. وعندما تصبح كربلاء مدخلًا لطرح قضايا الفقر والتهميش والعنف والتعصب والفساد والمسؤولية الاجتماعية، تنتقل من الذاكرة التاريخية إلى مشروع إنساني حي.. 
 
وفي الفكر السني الحديث ظهرت بدورها تجارب متعددة، كتلكى التي قدمه  أبو الأعلى المودودي، حيث  يمكن الإفادة من كتابه  نحو فهم الإسلام  في بيان العلاقة بين الدين والحياة، وسيد قطب في كتابه   العدالة الاجتماعية في الإسلام  في مقاربة قضايا العدالة والمسؤولية الاجتماعية، ومحمد الغزالي في عدد من أعماله التي سعت إلى ربط الخطاب الإسلامي بقضايا الإنسان والمجتمع. ومع اختلاف مشروعات هؤلاء المفكرين ومناهجهم، فإن حضورهم في هذا السياق يكشف أهمية تجاوز المعرفة الدينية المجردة إلى معالجة قضايا المجتمع والإصلاح والأخلاق..

 كما أن تاريخ الفكر الإسلامي الحديث يكشف عن تفاعل بين المدارس والتيارات المختلفة. ومن هنا تكتسب الإشارة إلى تجربة الأستاذة عفاف الدوسرية من مملكة البحرين في  التفاعل بين المنبر والمحيط الخارجي  أهمية خاصة؛ إذ إن انتقال الأفكار والأسئلة بين البيئات الإسلامية لم يكن دائمًا محكومًا بالحدود المذهبية. فالحوار بين التجارب الشيعية والسنية يمكن أن يوسع مجال التفكير ويثري الخطاب، من دون أن يعني ذلك إلغاء الاختلاف أو توحيد المدارس ..
 
ومن خارج المجال العربي، يقدم محمد إقبال في كتابه  تجديد التفكير الديني في الإسلام  رؤية لإعادة التفكير في علاقة الدين بالعقل والإنسان والتجديد، مؤكدًا أهمية بناء الإنسان القادر على الحركة والإبداع وتحمل المسؤولية. ومن هنا يستطيع المنبر الحسيني أن يستفيد من هذه الرؤية في التأكيد على أن الوعي لا يعني حفظ الماضي فقط، وإنما امتلاك القدرة على قراءة الحاضر واستشراف المستقبل .

 وفي الفكر الغربي، اهتم إميل دوركايم بتقسيم العمل الاجتماعي  بقضايا التضامن والروابط التي تحقق تماسك المجتمع، بينما قدم ماكس فيبر في  الاقتصاد والمجتمع  تحليلات واسعة للفعل الاجتماعي والمعاني التي يمنحها الإنسان لسلوكه. أما باولو فريري، ففي كتابه  تعليم المقهورين  جعل الوعي النقدي عنصرًا أساسيًا في العملية التربوية، وانتقد التعليم الذي يحول المتلقي إلى وعاء للمعلومات، داعيًا إلى تعليم يساعده على فهم واقعه ومناقشته والمشاركة فيه. وهنا تلتقي فكرته بصورة مباشرة مع الدعوة إلى تجاوز المنبر التلقيني نحو منبر يبني القدرة على التفكير والسؤال والتحليل .

 ولا ينبغي أن تتحول هذه الاستفادة إلى نقل آلي للنظريات الشرقية أو الغربية؛ فالمنبر الحسيني يمتلك منظومته الدينية والقيمية الخاصة، لكنه يستطيع أن يستفيد من علوم الاجتماع والتربية والإعلام والاتصال في تطوير أدواته. ومن هنا تبرز أهمية العلاقات العامة التي أصبحت علمًا استراتيجيًا يقوم على فهم السلوك الإنساني، وبناء الثقة، ومعرفة الجمهور، وإدارة الاتصال والأزمات والشائعات، وصناعة التأثير الإيجابي.
 
وفي هذا السياق تتوقف تجربة سماحة الشيخ أيمن العجمي عند سؤال جوهري: الخطيب لا ينبغي أن يسأل فقط: «ماذا سأقول؟»، وإنما أيضًا: «من أخاطب؟ وما الذي يشغله؟ وما المشكلات التي يعيشها؟ وما اللغة التي يستطيع فهمها؟ وما الأثر الذي ينبغي أن يتركه الخطاب فيه؟». فالرسالة الناجحة لا تقاس بكمية المعلومات، وإنما بمدى اتصالها بالإنسان وقدرتها على بناء الثقة وإحداث أثر إيجابي.
 
ويتصل بذلك ما يشير إليه الدكتور قيس التميمي من إمارة أبوظبي حول أهمية قدرة الإنسان على رؤية الموقف من وجهة نظر الآخرين. وهذه المهارة لا تعني التخلي عن القناعة، بل فهم الآخر واحترام إنسانيته. فالمنبر الذي يؤسس لثقافة الحوار والإنصات يستطيع أن يحول الاختلاف من مصدر للقطيعة إلى مساحة للتفاهم والتعاون.
 
وتتضاعف هذه المسؤولية في البيئة الرقمية التي يعيش فيها الإنسان وسط تدفق متواصل للمعلومات والشائعات والتفسيرات. ولذلك يحتاج المنبر إلى الإسهام في بناء الوعي الإعلامي، وتعليم المتلقي التمييز بين الخبر والرأي، والحقيقة والتفسير، والنقد والتشهير، والتحقق من المعلومات قبل تداولها. أما التكنولوجيا فتبقى وسيلة؛ فالوصول إلى الجمهور لا يعني بالضرورة التأثير فيه، والتأثير لا يتحول تلقائيًا إلى وعي.ولهذا فإن تطوير المنبر يبدأ بالاستثمار في الخطيب نفسه. فالمعرفة الدينية تظل أساسًا، لكنها تحتاج إلى وعي بالإنسان والمجتمع والإعلام والتاريخ والثقافة، بحيث يستطيع الخطيب قراءة التحولات وصياغة خطابه بما يحفظ أصالة الرسالة ويستجيب لأسئلة العصر.
 
وهنا يتضح الفرق بين المنبر الذي يلقّن والمنبر الذي يبني الوعي. فالأول ينشغل بما ينبغي أن يعرفه المتلقي، بينما الثاني يهتم بما ينبغي أن يصبح عليه بعد الخطاب؛ الأول يقدم الإجابات، والثاني ينمي القدرة على السؤال؛ الأول يراهن على حفظ المعلومة، والثاني على تحويلها إلى فهم وسلوك ومسؤولية.،وعندما يتحقق هذا التحول، تصبح النهضة الحسينية مشروعًا حيًا في المجتمع: الإصلاح ممارسة، والكرامة سلوكًا، والعدالة مسؤولية، ونصرة المظلوم موقفًا أخلاقيًا، والحوار ثقافة، وخدمة المجتمع امتدادًا للرسالة الحسينية. وهنا تلتقي أصالة كربلاء مع أدوات الفكر الإنساني الحديث من دون أن تفقد خصوصيتها.،لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق الخطاب المنبري اليوم ليس فقط: ماذا سنقول للناس؟ بل: ماذا نريد أن يصنع هذا الكلام في الإنسان والمجتمع؟ فالمعرفة لا تصبح وعيًا إلا عندما يستطيع الإنسان فهمها وربطها بواقعه وتحويلها إلى ممارسة..

إن المنبر الحسيني مسؤولية قبل أن يكون منصة، ورسالة قبل أن يكون خطابًا، وصناعة للوعي قبل أن يكون صناعة للجمهور. وقيمته لا تقاس فقط بعدد مستمعيه، وإنما بقدرته على بناء إنسان أكثر فهمًا لذاته، وأكثر وعيًا بمجتمعه، وأكثر احترامًا للآخر، وأكثر قدرة على التفكير والتمييز والحوار والإصلاح. وعندها تخرج كربلاء من حدود الذاكرة إلى فضاء الحياة، ويتحول المنبر الحسيني إلى شريك حقيقي في صناعة الوعي الاجتماعي .

المصادر:

1. محمد بن رمضان اللواتي، يحمل خلفية دراسية في العلوم الإدارية والمالية والمصرفية . يهتم بمجالات العلوم الإنسانية  والمجتمع، ويسعى إلى الربط بين المعرفة والتجربة الإنسانية .ويركز اهتمامه على قراءة القضايا الاجتماعية  من منظور معاصر.

2. أستاذة  عفاف الدوسرية معلمة وناشطة اجتماعية من مملكة البحرين، كرّست جانبًا من عطائها لخدمة ذوي الاحتياجات الخاصة وتمكينهم، من خلال تقديم التعليم والتدريب لهم مجانًا، إلى جانب تنظيم الورش والمبادرات الميدانية، في تجربة إنسانية ملهمة تجعل من التعليم والعطاء وسيلة لصناعة الأمل وتعزيز الاندماج المجتمعي

3.  سماحة الشيخ أيمن العجمي عالم دين وخطيب وإمام مسجد، تلقّى علومه الحوزوية في لبنان على مدى نحو أربعة عشر عامًا، وتخصص في العلوم الدينية وأصول الفقه. وله اهتمام بالدراسات التاريخية وقراءة الأحداث في سياقاتها الفكرية والاجتماعية، إلى جانب نشاطه في الخطابة والإرشاد الديني. ويجمع في تجربته بين التأصيل الحوزوي والاهتمام بالتاريخ وقضايا الإنسان والمجتمع.

4.  الدكتور قيس التميمي أستاذ أكاديمي متقاعد وباحث في علم الاجتماع من إمارة أبوظبي.
له إسهامات بحثية في نظرية المعرفة ودراسة قضايا الفكر والمجتمع.ويهتم بدور الفكر الإسلامي في تنمية العقل الإنساني وتعزيز قدراته على الفهم والتفكير. وتجمع تجربته بين البحث الأكاديمي والاهتمام بالقضايا الفكرية والاجتماعية المعاصرة.


محتويات مشابهة
تابعنا على
الوقت الآن
الأحد 2026/9/20 توقيت مسقط
ابقى على تواصل
تصميم وتطوير