المنبر الحسيني ومسؤولية صناعة الوعي.7


لا يقتصر الوعي الاقتصادي على حسن إدارة المال أو ترشيد الإنفاق، وإنما يتجاوز ذلك إلى بناء عقل اقتصادي قادر على فهم الواقع، وإدراك آليات الإنتاج والاستهلاك، وحماية الموارد، ومقاومة الإسراف والفساد، وتشجيع العمل والإنتاج والاستثمار، وربط السلوك الاقتصادي بمسؤولية الإنسان تجاه المجتمع ومستقبله. فالاقتصاد ليس مجرد أرقام وحسابات وأسواق، وإنما هو في جوهره علاقة الإنسان بالثروة، وطريقة إدارة الموارد، وكيفية توزيع الفرص والمنافع، ومدى قدرة المجتمع على تحويل المال من مجرد مورد للاستهلاك إلى أداة للبناء والاستقرار والتنمية.

وهذا لا يعني أن يتحول خطيب المنبر الحسيني إلى خبير اقتصادي أو محلل اقتصادي متخصص، فذلك ليس من وظيفته ولا من الضروري أن يمتلك أدوات الاختصاص الأكاديمي الدقيق في كل مجال يتناوله. وإنما المطلوب أن يمتلك من المعرفة العامة ما يمكنه من فهم القضية الاقتصادية، وقراءة الواقع، والتمييز بين المعلومة الموثوقة والمعلومة غير الدقيقة، وأن يعرف متى يحتاج إلى الاستعانة بالخبراء والباحثين والتقارير والدراسات المتخصصة. ثم تأتي مسؤوليته الأساسية في تحويل هذه المادة العلمية إلى محتوى واضح ومفهوم يناسب جمهور المنبر، بحيث لا يخرج المستمع من المجلس متأثرًا وجدانيًا فحسب، وإنما يخرج أيضًا بمعلومة جديدة، ومفهوم واضح، وسؤال يدفعه إلى التفكير، وسلوك يمكن أن يطبقه في حياته. فالمنبر ليس جامعة لتخريج الاقتصاديين، ولكنه يستطيع أن يكون جسرًا يصل المعرفة المتخصصة إلى عامة الناس، ويحول القضايا المعقدة إلى وعي اجتماعي قابل للفهم والممارسة. وهذا يتوافق مع التصور الذي ينظر إلى المنبر بوصفه أداة للتثقيف وربط الخطاب بقضايا الحياة المعاصرة، ومنها القضايا الاقتصادية..

وقد عرف الفكر الإسلامي منذ وقت مبكر اهتمامًا بقضايا المال والملكية والإنتاج والضرائب والسوق والإنفاق والمصلحة العامة. ففي المدرسة السنية نجد أبا يوسف في كتابه الخراج، وأبا عبيد القاسم بن سلام في الأموال، والماوردي في كتاباته المتعلقة بالأحكام السلطانية والتدبير العام، والغزالي الذي تناول المال والكسب والمعاش والاعتدال في الاستهلاك ثم ابن خلدون الذي قدم في المقدمة تحليلات مهمة للعمل والإنتاج والعمران والضرائب وأثرها في قوة الدولة، كما تناول المقريزي ظواهر الغلاء والنقود والأزمات الاقتصادية. وهذه الأسماء تكشف أن التفكير الاقتصادي في الحضارة الإسلامية لم يكن منفصلًا عن قضايا المجتمع والدولة والأخلاق والعمران. وتوثق الدراسات الحديثة تاريخًا طويلًا من إسهامات هؤلاء وغيرهم في مسائل الإنتاج والاستهلاك والملكية والضرائب والأموال العامة..

وفي الفكر الشيعي الإمامي، تطورت معالجة المال ضمن منظومة ترتبط بالعدل والأمانة والتكافل وحقوق الفقراء والمستضعفين، وصولًا في العصر الحديث إلى محاولات أكثر انتظامًا لبناء نظرية اقتصادية إسلامية. ويبرز هنا السيد محمد باقر الصدر من خلال كتابه اقتصادنا، الذي درس فيه بصورة مباشرة الرأسمالية والماركسية والتصور الاقتصادي الإسلامي، وسعى إلى بناء رؤية اقتصادية قائمة على أسس إسلامية، مع اهتمام خاص بالعدالة الاجتماعية والتوزيع والملكية. ويعد كتاب اقتصادنا من أبرز الأعمال المؤسسة للفكر الاقتصادي الإسلامي المعاصر. كما تناول محمود الطالقاني قضايا الملكية والاقتصاد من منظور إسلامي، وأسهمت هذه الكتابات الشيعية الحديثة في توسيع النقاش حول علاقة الاقتصاد بالعدالة الاجتماعية..

أما الفكر الاقتصادي الغربي، فقد تطور عبر مدارس متعددة؛ من الاقتصاد الكلاسيكي الذي ركز على السوق والملكية والمبادرة الفردية، إلى الماركسية التي جعلت علاقات الإنتاج والملكية وتوزيع الثروة في مركز نقدها للنظام الرأسمالي، ثم اقتصاد الرفاهية  والاقتصادات المختلطة التي حاولت الجمع بين آليات السوق والتدخل الاجتماعي للدولة. ومن ثم فإن المقارنة بين الفكر الإسلامي وهذه المدارس لا ينبغي أن تنحصر في سؤال: من يملك المال؟ بل ينبغي أن تمتد إلى سؤال أعمق: ما الغاية من المال؟ وكيف يتحول رأس المال إلى قوة إنتاجية واجتماعية؟ ومن يراقب استخدامه؟ ومن يتحمل مسؤولية حماية المجتمع من آثاره السلبية؟

ومن هنا تتضح أهمية الصناديق الاجتماعية التي تنشئها الجماعات والقبائل والمجتمعات المحلية؛ فهي تمثل صورة عملية لتحويل التكافل من قيمة أخلاقية إلى مؤسسة مالية واجتماعية. وفي بعض التجارب، لم تكتفِ هذه الصناديق بتقديم المساعدات المباشرة، وإنما أسست مشروعات اقتصادية استفاد منها أفراد المجتمع الذين أسسوا الصناديق ومولوا أعمالها، فتحولت الأموال المتجمعة إلى أصول ومشروعات ذات قيمة مستمرة، وأصبحت هذه المشروعات مع مرور الزمن جزءًا من المكتسبات الجماعية للقبيلة أو المجتمع، وركيزة من ركائز قدرته على الاستمرار ومواجهة احتياجات أفراده .

    وهنا تظهر النقلة المهمة من اقتصاد الإعانة إلى اقتصاد التمكين ،فبدل أن يستهلك الصندوق موارده في مساعدات آنية فقط، يستطيع، وفق ضوابطه وأهدافه، أن يحول جزءًا من المال إلى مشروعات منتجة توفر دخلاً مستدامًا أو فرص عمل أو خدمات يحتاج إليها المجتمع وأفراده. وبهذا يصبح المال الاجتماعي رأس مال جماعيًا، تتراكم قيمته عبر الزمن، وتنتفع منه أجيال متعاقبة بدل أن ينتهي بانتهاء عملية الصرف.

ويمكن في هذا السياق الاستفادة من تجارب واقعية، منها تجربة الدكتور غسان بن شعبان من القاهرة في جمهورية مصر العربية (1) في إنشاء صندوق لإغاثة ذوي الدخل المحدود، بوصفها نموذجًا لتجسيد التكافل في إطار أكثر تنظيمًا. وكذلك تجربة الدكتورة ناجية محمد في كوالالمبور من ماليزيا (2)  في مشروع فردي أسسته لدعم ذوي الإعاقة البدنية وتأهيلهم ليكونوا قوة منتجة للمجتمع، وهي تجربة تفتح بابًا مهمًا للانتقال من منطق المساعدة إلى منطق التأهيل والتمكين والإنتاج. وتكتسب مثل هذه التجارب أهميتها بالنسبة للمنبر لأنها تحول المفاهيم العامة إلى نماذج عملية يمكن للناس فهمها ومناقشتها والاستفادة منها، لكن تراكم الأصول والمشروعات يضاعف في الوقت نفسه مسؤولية الرقابة. فكلما كبرت أموال الصندوق واتسعت أنشطته، لم يعد مقبولًا أن تعتمد إدارته على الثقة الشخصية وحدها. وينبغي أن تكون هناك أنظمة واضحة لتوثيق الإيرادات والمصروفات، ومراجعة الحسابات، وتحديد الصلاحيات، والإفصاح عن المشروعات، وبيان عوائدها، وتقييم أدائها، والتأكد من أن الأموال تستخدم في الأغراض التي جُمعت من أجلها.،

كما ينبغي أن يمتد الوعي الاقتصادي إلى دراسة سلوكيات الأفراد الذين يتولون جمع الأموال أو إدارتها، لا باعتبار ذلك اتهامًا مسبقًا لأحد، وإنما باعتباره جزءًا من الحوكمة الوقائية. فحسن النية لا يغني عن النظام، والثقة لا تلغي المراجعة، والأمانة الفردية لا تعفي المؤسسة من بناء آليات تمنع الخطأ والانحراف. ولذلك فإن الرقابة ليست إساءة إلى العاملين، وإنما حماية لهم ولسمعتهم وللمؤسسة وللمجتمع .وتزداد أهمية ذلك عندما ترتبط الصناديق بمصالح أسر وأفراد يعتمدون على ما تنتجه من مشروعات أو مساعدات. فإذا تعرض الصندوق للاختلاس أو السرقة أو سوء الإدارة، فإن الخسارة لا تتوقف عند الأموال المسروقة؛ فقد ينهار مشروع اجتماعي كامل، وتفقد أسر موردًا كانت تعتمد عليه، وتهتز ثقة المجتمع في العمل الجماعي، وقد تمتد آثار الأزمة إلى العلاقات الاجتماعية نفسها. ولذلك فإن حماية المال الاجتماعي تعني في حقيقتها حماية الاستقرار الاجتماعي.

ومن هنا يمكن استحضار نهضة الإمام الحسين بوصفها مشروعًا للإصلاح، لا بوصفها نظرية اقتصادية جاهزة. فالحسين عليه السلام  لم يقدم نظامًا اقتصاديًا بالمعنى الاصطلاحي، لكن نهضته قامت على مواجهة الانحراف والظلم والاستئثار وفساد السلطة، وهي قيم يمكن أن تستلهم منها المجتمعات المعاصرة مبادئ لإدارة المال والمؤسسات.فقول الإمام الحسين: "إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي" يفتح مفهوم الإصلاح على مجالات متعددة ومنها مجال الاقتصادي والاجتماعي.

 وبهذا المعنى، فإن الوعي الاقتصادي الحسيني يقوم على أن المال أمانة، والملكية مسؤولية، والعمل قيمة، والإنتاج ضرورة، والاستهلاك مسؤولية، والتكافل قوة اجتماعية، والمال العام والمال الاجتماعي حق لا يجوز العبث به، والفساد الاقتصادي صورة من صور الظلم، والرقابة وسيلة لحماية الثقة واستدامة المؤسسات.إن استحضار كربلاء في المجال الاقتصادي لا يعني اختراع «اقتصاد حسيني» بالمعنى النظري، وإنما يعني تحويل قيم كربلاء إلى أسئلة معاصرة: كيف نحمي أموال الناس؟ كيف نحول التبرعات إلى مشروعات مستدامة؟ كيف نمنع الاستئثار والفساد؟ كيف نحافظ على مكتسبات المجتمع؟ وكيف نجعل المؤسسات الاجتماعية قادرة على خدمة الأجيال القادمة؟

وهكذا ينتقل المنبر الحسيني من الحديث عن كربلاء بوصفها ذكرى تاريخية إلى الحديث عنها بوصفها منظومة وعي وإصلاح. فالوعي الاقتصادي الذي تحتاجه المجتمعات اليوم ليس وعي الفرد بماله فقط، وإنما وعي المجتمع بماله المشترك، وبمشروعاته وصناديقه ومؤسساته، وبضرورة حمايتها بالشفافية والرقابة والمساءلة. وعندما تتحول أموال المجتمع إلى مشروعات منتجة، ثم تصبح تلك المشروعات جزءًا من مكتسباته وركيزة لبقائه، فإن حفظها واستدامتها يصبحان مسؤولية أخلاقية واجتماعية، ويصبح إهدارها أو الاعتداء عليها اعتداءً على مستقبل المجتمع نفسه.

ومن هنا يمكن للمنبر الحسيني المعاصر أن يربط بين العدل الحسيني والاقتصاد، وبين الأمانة والحوكمة، وبين التكافل والتنمية، وبين مقاومة الفساد وحماية المال الاجتماعي؛ لتصبح كربلاء مصدرًا لصناعة الإنسان الواعي القادر على الإنتاج، والإدارة، والمساءلة، وحماية الثروة، وبناء مجتمع لا يكتفي بإعانة أفراده، بل يمتلك من الموارد والمشروعات ما يساعده على الاستمرار والنهوض.

المصادر:
1. الدكتور غسان شعبان من جمهورية مصر العربية، ويقيم في القاهرة، وهو محاضر أكاديمي في  جامعة المنصورة ،إلى جانب نشاطه الأكاديمي، له إسهامات في خدمة المجتمع من خلال مؤسسة اجتماعية تُعنى بالمبادرات الإنسانية، وتسهم في تقديم الدعم والإغاثة للأسر والأفراد من ذوي الدخل المحدود، بما يعكس اهتمامه بالجمع بين العمل الأكاديمي والمسؤولية المجتمعية .

2.  الدكتورة ناجية محمد من كوالالمبور – ماليزيا، وهي باحثة في مجال علم البصريات وناشطة في المجال الاجتماعي والإنساني. أسست مشروعًا إنسانيًا يُعنى بخدمة الأشخاص ذوي الإعاقة البدنية، وتعمل من خلاله على دعمهم وتمكينهم وتعزيز حضورهم في المجتمع. كما تقدم دورات ومحاضرات متخصصة في هذا المجال، وتسهم في نشر الوعي بقضايا الإعاقة وسبل التعامل معها من منظور إنساني ومجتمعي.


محتويات مشابهة
تابعنا على
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/29 توقيت مسقط
ابقى على تواصل
تصميم وتطوير