المنبر الحسيني ومسؤولية صناعة الوعي.9 والأخيرة


ليست أزمة الإنسان دائمًا في غياب الدين، بل قد تكون أحيانًا في حضور تدين لا يصاحبه فهم عميق لرسالة الدين ومقاصده. فالدين لا يتحول إلى قوة فاعلة في حياة الإنسان بمجرد حفظ النصوص والأحكام، وإنما حين يصبح رؤية للإنسان والحياة والمجتمع، وينتقل من الانتماء إلى المسؤولية، ومن المعرفة إلى السلوك، ومن العبادة إلى الإصلاح. ولذلك فإن السؤال المهم أمام الخطاب الديني ليس فقط: كم نملك من المعلومات الدينية؟ وإنما: أي إنسان يصنعه هذا الخطاب؟

لقد أسست الرسالة المحمدية لمنهج يقوم على الاعتدال والتوازن، كما عبّر القرآن عن الأمة بقوله: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ سورة البقرة، الآية 143. والوسطية هنا ليست تمييعًا للمبادئ، وإنما هي القدرة على الجمع بين ثبات القيم وفهم الواقع، وبين الإيمان والعقل، وبين الهوية والانفتاح، وبين العبادة والأخلاق، وبين حق الإنسان ومسؤوليته الاجتماعية. وقد واصل أهل البيت هذا المنهج، فجعلوا المعرفة مرتبطة بالعقل، والإيمان بالأخلاق، والعبادة بالمسؤولية والإصلاح.

ومن هنا تأتي كربلاء بوصفها تجربة إنسانية وإصلاحية لا مجرد حادثة تاريخية. فالحسين لم يكن مشروعه صناعة جماعة مغلقة، وإنما مواجهة الانحراف وإعادة الإنسان إلى قيم الكرامة والحرية والعدل. ولذلك فإن المنبر الحسيني، إذا أراد أن يكون امتدادًا لرسالة الحسين، لا يستطيع أن يكتفي بإحياء الذاكرة، بل عليه أن يسهم في تحويل قيم كربلاء إلى سلوك ومواقف ومسؤولية اجتماعية؛ لأن كربلاء التي لا تترك أثرًا في الإنسان والمجتمع تبقى حدثًا محفوظًا في الذاكرة أكثر مما هي مشروعً حيً.

وفي هذا السياق تبرز أهمية ما طرحه فهمي هويدي في كتابه "أزمة الوعي الديني"، إذ يشير إلى أن المشكلة لا تكمن بالضرورة في ضعف التدين، وإنما في طبيعة الفهم الذي يحكم الممارسة الدينية، عندما تتحول الشعائر والممارسات إلى مظاهر منفصلة عن المقاصد والواقع والأولويات. وتنبّه هذه الفكرة الخطاب الديني إلى ضرورة الانتقال من مجرد نقل المعلومات إلى فهم دلالاتها وغاياتها وآثارها في حياة الناس.

ويتقاطع ذلك مع ما يناقشه علي المدن في كتابه "تخوم الوعي الديني: التدين على محك الدولة الوطنية والحياة المدنية"، حيث يبحث العلاقة بين التدين والواقع المدني والدولة والمجتمع والمواطنة. وهذه المسألة تضع المنبر أمام مسؤولية مهمة: كيف يساعد الإنسان على ممارسة دينه باعتباره مواطنًا مسؤولًا، يحافظ على هويته من دون أن يحول الاختلاف إلى خصومة، ويتمسك بقيمه دون أن يعزل نفسه عن المجتمع؟ ومن هنا يمكن للمنبر الحسيني أن يترجم قيم كربلاء إلى مفاهيم معاصرة في العدالة والكرامة والمواطنة والمسؤولية الاجتماعية.

أما علي شريعتي تناول  في كتابيه  "العودة إلى الذات" و"دين ضد دين"،  الدين من زاوية علاقته بالإنسان والمجتمع، ويميز بين الدين الذي يتحول إلى قوة تحرر وحركة ومسؤولية، وبين التدين الذي قد يفقد روحه النقدية ويتحول إلى تقليد جامد. ومن أهم الأسئلة التي يثيرها هذا الطرح أمام الخطاب الديني: هل يساعد الدين الإنسان على التفكير وتحمل المسؤولية، أم يجعله مجرد متلقٍ للإجابات؟ وهذا سؤال أساسي بالنسبة إلى المنبر الحسيني، لأن رسالته لا تكتمل بتقديم الإجابات، وإنما بفتح المجال أمام الإنسان لفهمها ومناقشتها وربطها بواقعه..

وفي الاتجاه نفسه، يناقش ماجد الغرباوي في كتابه "إخفاقات الوعي الديني: حوار في تداعيات النكوص الحضاري" العلاقة بين بعض مظاهر الجمود الديني والتراجع الحضاري، محذرًا من الانغلاق الذي يحول الاختلاف إلى خصومة، ويجعل التدين وسيلة لإعادة إنتاج الجمود. ومن هنا فإن مواجهة التطرف لا تكون بمجرد إدانته، بل تحتاج إلى معالجة جذوره الفكرية والتربوية، ومنها الجهل، واليقين المغلق، وإلغاء الآخر، وسوء قراءة النص، وغياب التفكير النقدي.

ويمكن أن ترفد هذه المقاربة رؤية ريتشارد تارناس في كتابيه "شغف العقل الغربي: فهم أفكار ومشاعر العالم الغربي" و"الكون والنفس: تأملات في تطور رؤية العالم"، حيث يقرأ تاريخ الفكر من خلال التحولات التي طرأت على صورة الإنسان عن نفسه وعن الكون وعن معنى وجوده. وتفيد هذه الرؤية الخطاب الديني في إدراك أن الإنسان لا يعيش خارج سياقه الحضاري والفكري، وأن التعامل مع العصر لا يكون برفضه أو الانفصال عنه، وإنما بفهم الأسئلة التي يطرحها على الإنسان والقيم والدين..

أما فريدريك نيتشه، فإن الاستفادة من بعض أسئلته النقدية لا تعني تبني رؤيته الفلسفية أو نتائجه. ففي "هكذا تكلم زرادشت"، و"جينالوجيا الأخلاق"، و"ضد المسيح"، مارس نيتشه نقدًا جذريًا للأخلاق والقيم والمؤسسات الدينية كما فهمها في سياقه الأوروبي، وسأل عن الدوافع الكامنة وراء بعض أشكال التدين والأخلاق. ويمكن للمنبر أن يستفيد من قيمة السؤال النقدي في مراجعة أدائه: هل ينتج خطابًا يحرر الإنسان أم يخيفه؟ هل يربيه على المسؤولية أم على التبعية؟ وهل يجعل الدين قوة للحياة والإبداع، أم يحوله إلى تكرار للموروث؟ والاستفادة هنا ليست في قبول نتائج نيتشه، وإنما في عدم الخوف من الأسئلة التي تكشف مواطن الخلل وتدفع إلى المراجعة.

ومن هذه الزاوية، لا تقتصر مسؤولية المنبر على اختيار الموضوعات، وإنما تشمل أيضًا طريقة إعداد الخطاب الديني ومراجعته قبل تقديمه إلى الجمهور. وفي هذا السياق تبرز ملاحظة فيصل المطوع من إمارة دبي، دولة الإمارات العربية المتحدة،(1) التي تؤكد ضرورة مراجعة النصوص الدينية قبل إلقائها أمام الجمهور، والتأكد من دقة ما يرد فيها من آيات وروايات وأحاديث وأفكار. فالكلمة التي تلقى على المنبر لا تبقى مجرد رأي شخصي، وإنما قد تتحول لدى بعض المستمعين إلى معلومة دينية أو حكم شرعي أو موقف فكري، ولذلك فإن مسؤولية الخطيب تقتضي التثبت والمراجعة وعدم الاكتفاء بما هو متداول أو محفوظ .

وتأتي هنا ملاحظة الأستاذة هناء  أم علي (2) من الجمهورية اللبنانية، التي تؤكد على ضرورة أن يكون الخطيب مطلعًا على أبجديات العلوم الدينية  وأن يمتلك معرفة بأسس فهم النصوص ودلالاتها اللغوية والسياقية  فاختلاف الدلالة اللغوية  للكلمة أو العبارة قد يؤدي إلى اختلاف في فهم النص، وقد يفسر الخطيب نصًا تفسيرًا لا يتطابق مع مقصد مؤلف النص، سواء كان النص من كتاب الله أو من كلام إمام معصوم. ومن هنا فإن التعامل مع النصوص الدينية يحتاج إلى معرفة باللغة، والسياق، وأصول التفسير، ومناهج فهم الرواية، حتى لا يؤدي التفسير الجزئي أو القراءة المنعزلة للنص إلى الخلط بين دلالة النص ومع ما مقصده المؤلف. فالخطيب لا ينبغي أن يكتفي بامتلاك القدرة على الإلقاء، وإنما يحتاج أيضًا إلى أدوات علمية تساعده على فهم ما ينقله قبل أن يقدمه إلى الجمهور.

وهذه المسؤولية العلمية تكتمل بوجود مساحة حقيقية للنقد والمراجعة. وهنا تبرز ملاحظة الأستاذة أم مهدي اللواتية من سلطنة عمان،(3) التي تؤكد على ضرورة وجود مساحة للنقد، وأنه لا يحق للخطيب أن يرفض النقد لمجرد أنه صدر تجاه ما طرحه على المنبر.  فالخطيب، باعتباره يقدم خطابًا عامًا، ينبغي أن يكون مستعدًا لسماع الملاحظات ومناقشة الاعتراضات، والتمييز بين النقد الذي يهدف إلى التصحيح والنقد الذي يقوم على التجريح. وليس من قوة المنبر أن يحصّن نفسه ضد النقد، بل قوته في قدرته على مراجعة ما يقدمه وتصحيح الخطأ عندما يظهر، لأن احتكار الحقيقة داخل المنبر قد يحول الخطاب الديني من وسيلة للإرشاد إلى وسيلة لإغلاق باب الحوار. 

وتلتقي هذه الرؤى، رغم اختلاف منطلقاتها، عند حقيقة أساسية، وهي أن الدين لا يصبح قوة حضارية بمجرد كثرة الخطاب الديني، وإنما عندما ينتج إنسانًا قادرًا على فهم واقعه، ونقد ذاته، واحترام الإنسان، وتحمل المسؤولية. وعليه، فإن مسؤولية المنبر الحسيني تتجاوز نقل المعلومات وإعادة الروايات إلى بناء الإنسان، وإلى تقديم خطاب يجمع بين أصالة النص وفهم الواقع، وبين قوة العقيدة والانفتاح على السؤال، وبين الحفاظ على الهوية واحترام المختلف.

وعليه، فإن المنبر مطالب بمواجهة التطرف دون أن يسقط في اللامبالاة، والحفاظ على الهوية دون تحويلها إلى جدار، والدفاع عن العقيدة دون جعل المختلف عدوًا، وربط الدين بقضايا الإنسان المعاصر: العدالة، والفقر، والتعليم، والأسرة، والشباب، والتكنولوجيا، والإعلام، والمواطنة، والكرامة الإنسانية. كما أن عليه أن يراجع أدواته، ويتحقق من مصادره، ويقبل النقد، ويعترف بإمكان الخطأ، لأن الخطاب الذي لا يسمح بالمراجعة قد يتحول مع الزمن إلى جزء من المشكلة التي يفترض أن يعالجها. 

فالمنبر الذي يكتفي بإحياء المناسبة قد يحفظ التاريخ، أما المنبر الذي يحول المناسبة إلى سؤال عن الإنسان والمجتمع والمستقبل فإنه يجعل كربلاء حاضرة في الحياة. و«مع الحسين» لا ينبغي أن تعني مجرد الانتماء العاطفي، بل أن يكون الإنسان أكثر عدلًا، وأكثر مسؤولية، وأكثر قدرة على مقاومة الظلم دون أن يتحول إلى ظالم. وهنا تتحول كربلاء من ذكرى تُستعاد كل عام إلى مشروع دائم لصناعة الإنسان، ويصبح المنبر الحسيني بحق منبر وعي وإصلاح وصناعة للإنسان. .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

المصادر
1. فيصل محمد المطوع من إمارة دبي في دولة الإمارات العربية المتحدة، حاصل على درجة الماجستير في الهندسة المدنية من جامعة القاهرة. وعلى الرغم من تخصصه الأكاديمي في المجال الهندسي، فقد أولى اهتمامًا خاصًا بعلوم القرآن الكريم والدراسات القرآنية، واهتم بتشجيع البحث العلمي في هذا المجال، والإسهام في دعم الباحثين والمهتمين بالدراسات القرآنية، بما يعكس اهتمامه بالجمع بين التخصص العلمي والاهتمام بالمعرفة القرآنية، وتعزيز حضور القرآن الكريم في مسار البحث والدراسة المعاصرة.

2.  الأستاذة هناء أم علي  من الجمهورية اللبنانية، حاصلة على إجازة في العلوم السياسية من كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية. لديها خبرة تمتد لنحو 35 عامًا في مجال التدقيق اللغوي والفهرسة باللغة العربية، شملت الكتب والرسائل الجامعية والأبحاث والدراسات بمختلف أنواعها.عملت في مجال التدقيق اللغوي والفهرسة مع عدد من دور النشر، من بينها دار المحجة البيضاء، دار البلاغة، دار الرافدين، ودار . الصفوة . كما تتعاون في مجال التدقيق اللغوي مع الباحثين من دول مختلفة، وتقدم لهم خدمات المراجعة والتدقيق للنصوص والأبحاث باللغة العربية .

3. أم مهدي من سلطنة عُمان، حاصلة على درجة الماجستير في علم النفس من الجامعة اللبنانية. عملت في مجال الإرشاد الأسري، وأسهمت من خلال خبرتها المهنية في تقديم محاضرات وبرامج تناولت تنمية قدرات الأسر وتعزيز قدرتها على التعامل مع عدد من القضايا والتحديات الاجتماعية. كما  لها إسهام في إعداد وتطوير بعض المناهج والمضامين الخطابية  المنبرية الموجّهة إلى النساء، مستفيدة في ذلك من خلفيتها الأكاديمية في علم النفس وخبرتها العملية في مجال الإرشاد الأسري. وقد مكّنها هذا الجمع بين التخصص العلمي والخبرة الميدانية من الإسهام في بناء خطاب اجتماعي أكثر وعيًا باحتياجات الأسرة والمرأة، وربط المعرفة النفسية بقضايا المجتمع وصناعة الوعي.يبرز تجربتها في الجمع بين التخصص الأكاديمي في علم النفس، والممارسة في مجال الإرشاد الأسري، والإسهام في صناعة الوعي الاجتماعي، بما يعكس اهتمامًا بتوظيف المعرفة النفسية في معالجة القضايا الاجتماعية وتعزيز دور الأسرة والمرأة في المجتمع.


محتويات مشابهة
تابعنا على
الوقت الآن
الخميس 2026/10/8 توقيت مسقط
ابقى على تواصل
تصميم وتطوير